محمد سعيد رمضان البوطي
104
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
بالنسبة لقائد الدعوة ، من حمايته له بنفسه ودفاعه عنه وإن اقتضى ذلك التضحية بحياته . هكذا كانت حال الصحابة رضي اللّه عنهم بالنسبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولئن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غير موجود اليوم بيننا ، فلا يتصور الدفاع عنه على النحو الذي كان يفعله أصحابه رضي اللّه عنهم ، فإن ذلك يتحقق على نحو آخر ؛ هو أن لا نضن على أنفسنا بالمحن والعذاب في سبيل الدعوة الإسلامية وأن نسهم بشيء من تحمل الجهد والمشاق التي تحملها النبي عليه الصلاة والسلام . على أنه ينبغي أن يكون هنالك قادة للدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن ، يخلفون قيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الدعوة . فعلى المسلمين كلهم أن يكونوا من حولهم جنودا مخلصين لهم ، يفدونهم بالمهج والأموال ، كما كان شأن المسلمين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . رابعا : فيما قصه علينا ابن إسحاق من استماع النفر من الجن إليه ، وهو يصلي من جوف الليل بنخلة ، دليل على وجود الجن وأنهم مكلفون ، وأن منهم من آمن باللّه ورسوله ومنهم من كفر ولم يؤمن . وقد ارتفعت هذه الدلالة إلى درجة القطع ، بحديث القرآن عنهم في نصوص قاطعة صريحة ، كالآيات التي في صدر سورة الجن ، وكقوله تعالى في سورة الأحقاف : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ إلى قوله تعالى : وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف 46 / 29 - 31 ] . واعلم أن هذه القصة التي ساقها ابن إسحاق ورواها ابن هشام في سيرته ، قد ذكرها البخاري ومسلم والترمذي على نحو قريب وبتفصيل آخر . واللفظ الذي رواه البخاري بسنده عن ابن عباس « أنه صلّى اللّه عليه وسلم انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين فقالوا : ما لكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب ؟ قال : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث ، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء ؟ قال : فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له ، فقالوا : هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، وأنزل اللّه عز وجل على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم : قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن ، وإنما أوحي إليه قول الجن » « 20 » .
--> ( 20 ) البخاري : 6 / 73